“صبرا وشاتيلا” وصمة عار في جبين الإنسانية

sabra

ناصر اليحمدي

يحفل التاريخ الأسود للدولة الصهيونية بآلاف الجرائم التي تصنف أنها ضد الإنسانية ارتكبتها قواتها الغاشمة في حق الشعب الفلسطيني الأعزل من قتل ونهب وتفجيرات وتهجير قسري إلى آخر القائمة المخزية من أفعال إرهابية.. ولعل أبشعها المجازر الوحشية التي حصدت آلاف الأرواح البريئة بدءا من مجزرة “اللد” عام 1948 والتي راح ضحيتها 426 فلسطينيا بعد اعتقالهم داخل مسجد، مرورا بمذبحة “قبية” التي حصدت 170 أردنيا مدنيا وتعذيب الأسرى المصريين عام 1967 ومذبحة مخيم صبرا وشاتيلا التي راح ضحيتها آلاف الفلسطينيين انتهاء بمذبحة جنين عام 2002 ثم الحروب المتتالية على قطاع غزة التي خلفت آلاف القتلى والمصابين.

ومؤخرا أحيا الفلسطينيون واللبنانيون الذكرى الرابعة والثلاثين لمجزرة مخيم صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين في لبنان والتي اقتحم فيها الجيش الإسرائيلي بالتعاون مع ميليشيات لبنانية موالية له إبان الحرب الأهلية في لبنان عام 1982 المخيم وأسفر هذا الاقتحام عن مقتل أكثر من 3 آلاف فلسطيني بين أطفال ونساء وشيوخ ليطلق هؤلاء صرخة في وجه المجتمع الدولي الذي يتغاضى عن الجرائم الإسرائيلية ويسير على نهج المثل القائل “اللي فات مات”.. فالماضي لا يموت والحق لا يضيع طالما وراءه مطالب رغم مرور كل هذه السنوات.

إن مجزرة صبرا وشاتيلا تعتبر من أبشع المجازر على مر التاريخ.. فقد قامت قوات الغدر على مدار ثلاثة أيام متواصلة بارتكاب أقبح الجرائم بعد أن حاصر جيش الاحتلال المخيمات ليقطعوا عن أهله كل السبل فكان القتل جهارا نهارا أمام أعين الكل.. الرصاص يخترق أجساد الأطفال.. وطعنات الخناجر تقطع أوصال الشيوخ.. حتى الحوامل لم يسلمن من العذاب وبقرت قوات الاحتلال بطونهن لترتسم صورة الإبادة الجماعية في هذه المخيمات.

لقد استغل الصهاينة خروج الشباب بعد معركة بيروت التي لقن فيها الفلسطينيون واللبنانيون الجزار أرئيل شارون وزير الدفاع وقتها، درسا قاسيا في الصمود والمقاومة لاحتلال لبنان فأراد شارون أن ينتقم من الفلسطينيين ولم يكتف بنزوحهم بعيدا عن ديارهم ولم يرحم وحشة شتاتهم فلحق بهم ليرتكب مجزرة تعد وصمة عار على جبين الإنسانية.

الغريب أن العدو الصهيوني ادعى وجود 1500 مسلح فلسطيني يختبئون داخل المخيمات كمبرر لاقتحامها والتغطية على جرائمه البشعة في حق عُزّل لا ذنب لهم سوى أنهم يحملون الجنسية الفلسطينية.. فتكالبت عليهم عناصر حزب الكتائب اللبناني وجيش لبنان الجنوبي الذين تناسوا عروبتهم بالإضافة إلى الجيش الإسرائيلي ليبدأوا عمليات التصفية الجسدية وحصد الأنفاس البريئة لتتحول هذه المخيمات إلى برك من الدماء وغابة من الأشلاء.. ورغم التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي وانسحاب مقاتلي منظمة التحرير مقابل التعهد بحماية مخيمات اللاجئين في لبنان وتخصيص قوات متعددة الجنسيات لتنفيذ الاتفاق إلا أن إسرائيل كالعادة لا تلتزم بعهد ولا تفي بوعد فحاصرت المخيمات وارتكبت جريمتها الشنعاء التي يندى لها الجبين.

لقد وجه المجتمع الدولي وقتها لإسرائيل أصابع الاتهام فشكلت المحكمة العليا لجنة ترأسها إسحاق كاهان رئيس المحكمة شخصيا سميت “لجنة كاهان” أسفرت نتائج بحثها عن تحمل وزير الدفاع أرئيل شارون المسؤولية المباشرة بجانب مناحيم بيغن رئيس الوزراء وإسحاق شامير وزير الخارجية ورفائيل إيتان رئيس أركان الجيش وقادة المخابرات وأدانتهم جميعا لأنهم لم يقوموا بما يكفي للحيلولة دون وقوع المذبحة أو وقفها حينما بدأت.. ولكن ماذا بعد؟.. لقد حددت المحكمة المجرمين وأدانتهم بالأدلة وبالرغم من ذلك لم يقدموا للمحاكمة ولم يعاقبوا على ما اقترفت يداهم من جرم بشع حتى الآن.. وهذا خير دليل على ازدواجية المعايير التي يسير عليها المجتمع الدولي فيما يتعلق بجرائم بني صهيون التي دائما يفلتون بها ولا يعاقبهم عليها أحد.

إن الفلسطينيين لم ينسوا في يوم من الأيام لون الدم الذي سال في مخيمات صبرا وشاتيلا وطوال الـ 34 عاما الماضية وهذه الدماء تصرخ تطالب بالقصاص العادل.. ولكن من ينفذه؟ فالعرب منقسمون والغرب موالون ولا حياة لمن تنادي.

لقد استغلت إسرائيل الخلاف المسلح بين القبائل المارونية اللبنانية والفصائل الفلسطينية في تأليب الطرف الأول على الثاني وتمكنت بفتنتها الخبيثة من تجييشها ضد أبناء عروبتها.. ونستخلص من ذلك أن المستفيد الوحيد من الفرقة بين العرب هو العدو الصهيوني، لذلك يجب أن نفوت عليه الفرصة ونغلق في وجهه الأبواب التي من الممكن أن ينفذ منها ليذكي النار بين الأشقاء.. فلم يعد هناك سبيل أمام العرب سوى الوحدة لمواجهة العدو وإلا سيكون حالهم حال الثور الأسود الذي قال “أكلت يوم أكل الثور الأبيض”.

ـــ

نقلا عن صحيفة الوطن العمانية